امرأة وأخلاق أهل الجنة
تحت عنوان
(أم يوسف) سيدة مصرية
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
تتساءل البشرية، منذ بدء الخليقة، عن الجنة ومن سوف يحظى
بها، حتى ظنّ الكثيرون أن أبواب الجوامع والمساجد والكنائس والمعابد هي ممرّاتٌ
لدخول الجنة، وهذا أمر عارٍ عن الصحة. وهذه ليست دعوةً إلى إسقاط الفرائض، والعياذ
بالله، ولكن ما سوف يجعلك من سكانها هو **سلوكٌ معزّزٌ للعبادة، بغضّ النظر عن
الدين**.
وحكايتنا اليوم عن سيدة مصرية بسيطة، من ذوي الاحتياجات
الخاصة، تقف في نصيبها في ما يُعرف بمطعم شعبي. قد تكون لا تقرأ ولا تكتب، وقد
تكون مسلمة أو تعتنق أي ديانة أخرى، لكنها تعرضت لموقف يُسمّى بـ«التجربة
الاجتماعية»، ومن خلاله أظهرت خُلُقًا لا يليق إلا بأهل الجنة.
ولولا أنني أخاف الدخول في حيّز الشرك، لقلت إنها من أهل
الجنة، ولكن هذا أمرٌ بيد الله، ولا يجوز لأحد أن يتكلم بما لا يعلمه سواه. إلا
أنني اليوم سوف أتحدث عن **الأخلاق التي رسمتها هذه المرأة عندما وُضعت في تجربة
إنسانية**، بغضّ النظر عن صحة المادة الفِلمية وعلاقتها بالنصوص المتعلقة بالدين
وصلاح النفس البشرية.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ... تبدأ الحكاية
من رجل في ريعان الشباب يطلب رغيف خبز، ولكن ما كان من تلك السيدة لم يكن ما اعتاد
الناس سماعه في موقف كهذا، مثل: «أنت شاب، روح وجد لك عمل».
لم يكن منها سوى رحابة الصدر، حين طلبت منه أن يجلس
لتُعدّ له الطعام مجانًا.
تعجز حتى كلماتي التي أكتبها هنا عن وصف هذا الموقف،
وهنا يتجلّى **السلوك السماوي للبشر**؛ سلوكٌ لا يحتاج إلى خطبةٍ من على منبر، ولا
إلى ثوبٍ ديني، ولا إلى شهادةٍ تمنح صاحبها صفة الصلاح.
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ﴾ ... وهنا، وقبل جلوس الشاب ليتناول الطعام، سرق منها بعض المال، فسجّلت
تلك المرأة رائعةً أخرى من روائعها؛ إذ لم تغضب، ولم تتجاوز بالقول أو الفعل، بل
أبعدت من كان يساعدها وقالت للشاب: **«أنا يمكن ما أعرف وضعك، بس بصّ، أنا اشتغلت بستمئة
جنيه، راح أديك نصهم.»** وبهذا
جسّدت هذا العمل أروع الصور التي راهن الله عليها يوم خلق آدم: **أن يكون الإنسان
إنسانًا، حتى عندما يكون قادرًا على أن يعاقب.**
إن الله حليم ستّار .. بهذا المعنى تعاملت هذه السيدة مع
موقف كان من الممكن أن تقوم فيه بفضح الرجل، فتقول باللهجة العامية:
**«الراجل ده سرقني، وأنا وليّه غلبانة وعجوزة.»** ولو فعلت ذلك، لما خرج هذا الرجل من المكان إلا وقد
انهال عليه كل من كان فيه بالضرب، لكنها اختارت الستر بدل الفضيحة، والرحمة بدل
الانتقام، والإنسانية بدل التشهير.
وهنا تكمن عظمة الموقف .. فهي لم تسأل الرجل عن دينه،
ولم تطلب منه أن يثبت لها صلاحه، ولم تضع له شروطًا حتى تمنحه الطعام، ولم تجعل
سرقته سببًا لسلب إنسانيته ولقد رأته إنسانًا قبل أن تراه سارقًا وهذه، في رأيي،
واحدة من أعقد صور الأخلاق التي يمكن أن يبلغها الإنسان.
المضمون .. هذا الفعل لم يكن بحاجة إلى امرأة تدّعي التدين، ولا إلى
رجل اعتلى المنبر وأطلق على نفسه لقب «رجل دين».
فالأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى منبر، ولا إلى عمامة،
ولا إلى جرس كنيسة، ولا إلى محراب مسجد، ولا إلى كتابٍ يحمله الإنسان بيده **الأخلاق
تظهر عندما تكون قادرًا على الانتقام، ثم تختار الرحمة.** وتظهر عندما تستطيع أن تفضح، ثم تختار الستر.
وتظهر عندما يخطئ الآخر في حقك، فتبحث عن وجعه قبل أن
تبحث عن عقوبته وربما كانت هذه المرأة، التي لا نعرف مقدار علمها ولا عدد الكتب
التي قرأتها، قد قدّمت درسًا أخلاقيًا يعجز عن تقديمه كثير ممن ملأوا الدنيا
حديثًا عن الجنة.
فالجنة ليست كلمةً نرددها، ولا مكانًا نزعم امتلاك
مفاتيحه، وإنما هي قبل كل شيء **فكرةٌ أخلاقية تظهر في سلوك الإنسان عندما يكون
الاختبار حقيقيًا.** وأم يوسف
لم تكن في ذلك المطعم تشرح للناس كيف يكون أهل الجنة... **بل كانت تمارس أخلاقهم.**
الخلاصة
... لم تكن «أم يوسف» بحاجة إلى منبرٍ تصعد إليه، ولا إلى عمامةٍ تمنحها صفة
الواعظة، ولا إلى كتابٍ تضعه تحت إبطها لتثبت للناس أنها تعرف طريق الجنة.
كانت
امرأةً بسيطة، وربما لا تملك من العلم ما يملكه أولئك الذين أمضوا أعمارهم في
الحديث عن الدين، لكنها في لحظة الاختبار فعلت ما عجز عنه كثيرٌ ممن جعلوا الدين
مهنةً والكلام عنه سلطةً. **امرأةٌ بسيطة هزمت في دقائق طويلةَ خطبٍ عن الأخلاق.**
هزمتهم
عندما سُرق منها المال ولم تنتقم، وهزمتهم عندما استطاعت أن تفضح ولم تفضح،
وهزمتهم عندما كان بإمكانها أن تطلب العقاب، فاختارت أن تمنح نصف ما كسبته بعرقها
لمن سرقها.
وهنا
أقول لمن يملكون المنابر ولا يملكون أخلاقها: **أيها الواعظ، ماذا بقي من خطبتك
حين عجزتَ عن فعل ما فعلته امرأةٌ بسيطة؟**
وأي
قيمةٍ لحديثك عن الجنة إذا كان أول اختبارٍ للإنسانية يجعلك تبحث عن العقوبة قبل
الرحمة، وعن الفضيحة قبل الستر، وعن إدانة الآخر قبل فهم ألمه؟ ربما لا تعرف أم
يوسف الكثير عن أبواب الجنة، لكنها علّمتنا أن بعض أبوابها قد تُفتح بفعلٍ صغير لا
تراه الكاميرات، ولا تصفق له الجماهير.
**لقد غلبتكم امرأةٌ بسيطة؛ لا لأنها أكثر علمًا منكم،
بل لأنها عندما جاء وقت الامتحان، لم تتحدث عن الأخلاق... بل مارستها.**
وسوف اترك لكم رابط الفيديو ليكون كل شيء امامكم
https://www.facebook.com/reel/1343402527667070
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق