جدلية
الزواج السري بين الوجوب والتحريم
تحت
عنوان
سوف أحطم
كل قلاعكم أمام الله
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
لستُ هنا للفتوى بأمرٍ ما، لا سمح الله، وأستند في هذا
إلى قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]
ولكنني سأبين وجهة نظر العقل من قاعدة دينية بحتة، نبين
من خلالها المنطق المطلوب في التعامل مع هذا الأمر، وليكن ذلك من بوابة الرجل
والمرأة على حدٍّ سواء، فالأمر شائكٌ من الأصل، ولهذا كان لا بد من طرح الموضوع
ومواجهة الحقيقة رغم مرارتها، ويعود ذلك لأمرين مهمين: الخوف والحياء، وهما
الدافعان الرئيسيان لفعل هذا الأمر، ولكن قد يسأل أحدكم: كيف يكون ذلك؟
الزواج... وهو التنظيم السماوي للحياة، ويُسمى
بـ(العقد)، ولكل عقد شروط واجبة، من أهمها الإشهار، وهو العنصر المفقود في هذا
النوع من الزواج، وهنا يكون إبطال هذا العقد، وكما يُقال في الأثر: العقد شريعة
المتعاقدين.
الرجل... يُقدم في الكثير من الأحيان على هذا الفعل من
باب الخوف، ولكن ليس من الله، بل من شيءٍ آخر، قد تكون الزوجة أو الأولاد أو
أشخاصًا من الدرجة الأولى، متناسيًا أن خوفه الحقيقي يجب أن يكون ممن أوجد هذه
الحدود، مع العلم أن التعدد من حقوقه الشرعية، ولكن الأمر بدأ يستفحل حتى جُنِّدت
بعض الأقوال لتعزيز هذه الظاهرة، كقول البعض: الذي لا يخاف ليس رجلًا، وهنا تكون
قمة السخرية من شخصية الرجل، ودفعه لارتكاب المعاصي بغطاء الشرع، وهم على جهالةٍ
بأن الشيطان يتمكن منهم من مواضع أمنهم، وهذا بالضبط ما وقع فيه كثيرٌ من رجال هذه
الأيام.
المرأة... وهي ليست بأحسن حالًا من الرجل في هذا الأمر،
فمنهن من تُقدم على فعل ذلك من باب الحياء كما تعتقد، وليس من باب الاستحياء من
الله، بل من البشر الذين حولها، وأستغرب هنا من هذا الأمر، فكيف للإنسان أن يستحي
من بشرٍ مثله، ولا يستحي من الذي خلقه؟ وهذا ما قد يوقع الكثير منهن في دائرة غضب
الله إن كنتم لا تعلمون.
مواضع الخطأ في الموضوع... قد يرى الكثير من الرجال والنساء في هذا الأمر وكأنه
حلٌّ من باب التحايل على الله عز وجل، والعياذ بالله، وهذه بحسب أجندات مدروسة
لخلق ارتباكٍ اجتماعي من خلال الخروج عن المسارات الإلهية التي ترسم الحدود لحياة
الإنسان على هذه الأرض.
وهنا نصل إلى أخطر نقطة في هذا الموضوع، وهي أن البعض
بدأ يتعامل مع الزواج السري وكأنه انتصار على المجتمع، لا عقدٌ تُبنى عليه حياة
ومسؤولية وأمانة أمام الله، فتحول الأمر عند البعض من وسيلة لبناء أسرة إلى بابٍ
للفوضى المقننة تحت غطاء الدين، والدين منهم براء. فكيف لعلاقة تُبنى في الظلام أن
تُنتج استقرارًا في العلن؟ وكيف لعقدٍ يخشى أصحابه إعلانَه أن يكون قائمًا على
الطمأنينة والسكينة التي أرادها الله بين الرجل والمرأة؟
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من العلاقات بدأ يُنتج
جيلًا يعيش حالة ازدواجية مرعبة، رجلٌ يخفي زوجته وكأنها جريمة، وامرأة تعيش القلق
في كل لحظة خوفًا من انكشاف أمرها، وكأن العلاقة تحولت من ميثاق غليظ إلى عملية
تهريب اجتماعي، لا يعلم أصحابها أن أكثر ما يهدم الإنسان هو العيش بشخصيتين؛ واحدة
أمام الناس، وأخرى في الخفاء.
ثم أين حقوق المرأة في هذا كله؟ وأين حق الأبناء إن
وُجدوا؟ وكيف تُصان الكرامة حين يصبح مصير المرأة متعلقًا بمزاج رجل قد ينكر كل
شيء في أي لحظة؟ وهنا تتحول القضية من زواج إلى أزمة أخلاقية واجتماعية وقانونية
تضرب أساس الثقة بين البشر، لأن أي علاقة لا يحميها الوضوح ستكون مشروع كارثة
مؤجلة مهما حاول البعض تجميلها بالكلمات والشعارات الدينية.
وما غفل عنه الكثيرون أيضًا أن الله حين وضع الإشهار لم
يجعله أمرًا شكليًا، بل جعله حماية للمجتمع من الانهيار، لأن العلاقات السرية مهما
تلونت تبقى بيئة خصبة للشك والخيانة وضياع الحقوق، ولهذا نرى اليوم أن كثيرًا من
البيوت لم تعد تُهدم بسبب الفقر أو الجوع، بل بسبب العلاقات التي بدأت سرًا وانتهت
بفضائح وخصومات وكراهية بين العوائل.
وهنا تكون الطامة الكبرى، حين يتحول الإنسان من البحث عن
رضا الله إلى البحث عن مخارج يبرر بها ضعفه أمام شهواته أو خوفه من المجتمع،
ناسِيًا أن الله لا تُخدع حدوده، وأن كل باب يُفتح بالخفاء بعيدًا عن الحق سيأتي
يوم وينهار على رؤوس أصحابه مهما طال الزمن.
الخلاصة ... أقولها أمام الله قبل أن أقولها أمام البشر:
إن أخطر ما يفعله الإنسان ليس الوقوع في الخطأ، بل تحويل الخطأ إلى ثقافة، وتزيين
المعصية حتى تبدو وكأنها انتصار للعقل والدين والمجتمع، بينما هي في حقيقتها إعلان
حربٍ على حدود الله التي لو سقطت، لسقطت معها الإنسانية كلها.
فالزواج الذي يخجل صاحبه من إعلانه، ويخاف من ظهوره،
ويعيش أصحابه خلف الأبواب المغلقة، ليس أزمة عقدٍ فقط، بل أزمة ضمير مات حتى أصبح
الإنسان يستحي من الناس أكثر مما يستحي من خالقه، وكأن الله لا يرى، وكأن السماء
لا تُسجل، وكأن يوم الحساب مجرد قصة تُروى للأطفال.
تذكروا جيدًا... أن الله لم يشرّع الحلال ليُمارس في
الظلام، ولم يجعل الميثاق الغليظ وسيلةً للتحايل أو الاختباء، لأن كل علاقة تبدأ
بخوفٍ من البشر ستنتهي بخوفٍ من الفضيحة، وكل باب يُفتح بعيدًا عن نور الله سيتحول
يومًا إلى نارٍ تحرق أصحابها ولو بعد حين.
وهنا تكون الكارثة الحقيقية، حين يقف الإنسان أمام الله
يوم القيامة لا ليُسأل فقط عمّا فعل، بل لماذا تجرأ على العبث بحدود الله وهو يعلم
أنها حدودٌ لم تُوضع عبثًا، بل لحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي والإنساني.
وعندها لن تنفعه الأعذار، ولا الأقوال، ولا تبريرات البشر، لأن إرادة الله لا
تُهزم، وحدوده لا تُكسر، ومن يظن أنه قادر على الالتفاف عليها، فليتذكر أن الله
يمهل... لكنه لا يُهمل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق