بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 10 أبريل 2026

مقال

 

ماذا لو كنت … (الرئيس)

تحت عنوان

إجابات من خارج الصندوق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



فكرة هذا المقال مستوحاة من سؤال وجّهه لي أحد الأصدقاء بهذه الصيغة: (بما أنك تجيد التحليل والتنظير، فماذا كنتَ لتفعل لو كنتَ أنت الرئيس؟) وهذه مصيبة لا أتمنى الوقوع فيها؛ فأنا من الذين لا يرغبون بالمكوث طويلًا أمام الله يوم الحساب، لأنني أعرف من أكون، وأعرف ما في نفسي من سوء. فقد قال رب العزة في محكم كتابه، وهو أصدق القائلين:

(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [سورة يوسف: 53].

ومن هذا المنطلق، أرى أن هذه الأمنية قاتلة لصاحبها. ولا يقل أحدكم إن بإمكان شخص ما إصلاح ما في الأرض اليوم؛ فهذه مهمة تكاد تكون مستحيلة، لأن الذين هم خير مني ومنك، وهم الأنبياء والرسل، لم يتمكنوا من بلوغ هذه الغاية. وهذا ما يعزز مفهومي في هذه المسألة.

 

التباين… قيل في مناهج الفلاسفة القدماء: (من الصعب أن تكون عاقلًا في عالم مجنون)، وكذلك العكس صحيح. فمن غير المعقول، وسط كل هذا الاضطراب، أن يكون هناك عاقل وحيد يملك حلولًا سحرية لكل هذه الفوضى. ولهذا، لن تجدني جديرًا بهذه المهام، ليس لعدم قدرتي البدنية أو العقلية، بل لقدرتي على معرفة نفسي أولًا، وفهمي للنفس البشرية جمعاء. ومن هنا، يثبت التباين استحالة الإصلاح الشامل، مما يقتضي الابتعاد عن هذا الوهم.

 

الخير والشر… كلاهما كامن في النفس البشرية، والمسألة تبقى رهينة الزمن؛ ليتضح أيّهما سينمو في داخلك. ولهذا، لن أضع نفسي في معادلة لا تُحمد عقباها. ففي كثير من الأحيان، يتقدم الشر على الخير في هذه الحياة، وذلك بسبب معادلة بسيطة: أن الشر يحظى بأفضلية نتيجة كثرة المستفيدين منه، في مقابل قلة المؤمنين بالخير. وهنا أجد نفسي أمام خيارات صعبة، لا ضمان لنتائجها.

 

تغيّر القيم والمفاهيم… نعم، لقد تغيّر كل شيء. وهناك من يردد مقولة: (إن الزمان قد تغيّر)، لكن الحقيقة أن النفوس، وما بداخلها من قيم، هي التي تغيّرت. فقد أُسقطت من الحسابات قيم الصدق والأمانة، وهما من أساسيات الخير في هذا العالم. لذلك، أصبحت الكراهية أساسًا في كثير من التعاملات البشرية، وإن لم نُعلن ذلك صراحة. ومن هنا، تتكاثر الحروب والمجاعات، إذ إن الإنسانية، كمصطلح، قد جُرِّدت من جوهرها الخيّر. وبما أن الخير بات شبه معدوم في واقعنا اليوم، فإن قواعد التغيير بدأت تأخذ مسارًا آخر.

وهنا أستشهد بقول الشاعر أبي تمام:

السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ *** في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللعبِ

وعليه، يصبح منطق القوة أداةً مفروضة في التغيير. وبما أنني لست رجل حرب، فلن أكون رجل مرحلة، لا صدفةً ولا إعدادًا. فكل فرد في هذه الحياة هو الأقدر على معرفة أبعاد ذاته الإنسانية والنفسية والبدنية، ليحدد من خلالها قدرته الحقيقية على إدارة المشهد القيادي.

 

الخلاصة ... لا تسألني ماذا سأفعل لو كنتُ الرئيس، بل اسأل نفسك: هل ما زلتَ تملك رفاهية الحلم في عالمٍ يقتات على أوهامك؟

فالرئاسة ليست كُرسيًّا… بل اختبارٌ يُجرِّدك من إنسانيتك قطعةً قطعة، حتى إذا انتهيتَ، لم يتبقَّ منك إلا اسمٌ يُصفّق له الناس… وجسدٌ يُحاسَب عليه أمام الله.

والمفارقة التي لا يريد أحد أن يعترف بها… فأنك حين تصل إلى القمة لتُصلح العالم، ستكتشف متأخرًا أنك أصبحتَ جزءًا منه… لا خلاصًا له.

وحينها… لن يكون السؤال: ماذا غيّرت؟

بل: ماذا بقي منك بعد أن حاولت أن تغيّر كل شيء؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  ماذا لو كنت … (الرئيس) تحت عنوان إجابات من خارج الصندوق بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين فكرة هذا المقال مستوحاة من سؤال وجّ...