ثورة ((الحجاج)) ضد الفوضى
تحت عنوان
قراءة من نوع اخر
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي (40 - 95 هـ = 660 - 714
م)، قائد في العهد الأموي، وُلِدَ ونَشأَ في الطائف وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن
زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قَلَّدَه
عبد الملك أمر عسكره.
وفي البداية يجب ان نأخذ فكرة عن حركة تدوين التاريخ
والقضايا الشائبة التي تسوده وما بما يخص جميع ما كتب عن التاريخ الإسلامي الأول
والحقبة التي تلتها كانت كلها تعود الى العصر العباسي وهناك أفكار مغلوطة عن العصر
العباسي كما يشاع عند الكثير من المؤرخون منذ ذلك العصر الى يومنا هذا انه عصر
مثالي وذهبي ولكن ما لا يعلمه الجميع هو اذا كانت فترى كسر فيها الإسلام والمسلمون
والعرب انها فترة الحكم العباسي والخلافة العباسية بسبب الممارسات التي كانت ذلك
الوقت واذا كنا على يقين ان التاريخ كتب في العصر العباسي نفهم ما قد وصلنا من
نصوص مشوها وطاعنه بالرموز والقيادات التي سبقت تلك الفترة وحتى تلك النصوص التي
وصلتنا عن الرعيل الأول للإسلام والمسلمون الأوائل لا تخلوا من الدس والطعن بحكم
وبمقولة التاريخ يكتبه المنتصر فليس من المعقول ان يكتب المنتصر مناقب وافعال
الخير للطرف المهزوم وهذه حقيقة واذا ما اردنا قراءة شخصية الحجاج التي تثير الجدل
يجب الاحتكام الى نظرية العقل وعدم الاستسلام للنصوص المنقولة وان نأخذ الحوادث
التاريخية والشخصيات وأفعالها والزمان والمكان والاحوال السياسة ذلك الوقت وجمع كل
العناصر وعمل مقارنة حقيقية ما بين المعقول ولا معقول للخروج بالحقيقة التي اختلف
عليها الجميع وفي البداية تكون في الأحوال السياسية في ذلك الزمان التي كان يكثر
فيها الانقسامات في كيان الدولة ولم تكن جهتان فقط ما بين الخليفة عبد الملك بن
مروان والخليفة في الشام الزبير بن عبدالله واخوه مصعب على العراق والحجاز وكأي
دولة تعيش الانقسامات يكثر فيها هرج والمرج واحدثي اللغط كما هو حالنا اليوم وكانت
وقتها هناك بقايا جاهلية والموروثات التي تناقلتها العرب ومن بينها النظرة
العنصرية الى الطائف وأهلها ولهذا تأثير كبير في تكوين شخصية الحجاج عندما سمع
احدهم ان الزبير يقول في اهل الطائف وثقيف (قصار الخدود، لئام الجدود، سود الجلود،
بقية ثمود) وكانت هذه الشرارة الأولى لبناء شخصية الحجاج وهي الطبقية القبلية وهنا
بالتحديد بدأت ما يعرف ثورة الحجاج وهي بالفعل ثورة بمعنى الكلمة وكل ثورة لها
محاسن وأخطاء واذا ما رجعنا الى شخصية الزبير كقيادي او خليفة فالرجل هو أضعف من
يتولى هذا المنصب وهنا استشهد بحديث رسول الله (ص) ((يا أبا ذر: إني أراك ضعيفًا،
وإني أحب لك ما أحب لنفسي)) حين طلب أبو ذر الولاية ومن هنا نفهم ان للرسول الكريم
رؤيا في من يتولى امر المسلمين والضعيف في القيادة يحدث الفوضى ويسود كل ما يعيب
في جسد الدولة والرجل وهنا يقصد الزبير كان شخصية ذات دين عابد وهو قد أخطأ في
تولى امر المسلمون في ذلك الوقت بالتحديد وكان الخصم على نقيض من هذا وكان يمتاز
بالقوى والحكمة وكانت هناك ميزه يمتاز بها الحكم الاموي وهو رجاحة العقل والمصاحبة
للمكر السياسي وكل تلك الصفات ترجح كف الغالب على المغلوب وهنا نعود لشخصية الحجاج
وقد حدث أمر كان الدافع للتحول الجذري في تلك الشخصية التي نتحدث وهو عراك بين رجال
الزبير ومعلم الصبية وهذه تعتبر إهانة للمعلم والعلم لم تستطيع شخصية الحجاج
تحملها فقرر الرحيل عن حدود الزبير ودولته الهشة الى الطرف القوي لعله يجد ما يشفي
غليله مما تلقى من أهانه وقد يكون هذا بدافع الانتقام وهو يحمل بين جوانبه طموح
التغير في المشهد السياسي للدولة وعند وصول الحجاج الى الشام غريب لا يعلم ما
ينتظره في تلك المدينة وهنا بدأت الرحلة التي كان من شروطها الحكمة وتوخي الحذر
وهنا اتخذ القرار في تقرير تغير المصير من معلم الصبية الى جندي في جيش عبد الملك
بن مروان وبمرور الوقت ألفت الأنظار بما يملك من العزيمة وشدة بأس حتى وصل امره
الى الخليفة أنذاك ولم يخفي الخليفة اعجابه بتلك الشخصية الطامحة الى كل شيء وهنا
كانت الثورة في شخصية الحجاج ثورة ضد الفوضى السياسية والتخبط في اركان الدولة
الإسلامية وهي ثورة محمودة .
اما عن ما فعل بعد هذا كان كل الذين كتبوا قد اسرفوا في
الإساءة في شخصية هذا الرجل وهذا كان لأغراض سياسية بعيد عن نظرية المنطق والحقيقة
وقد وجد المؤرخون مادة للدس والطعن في ذلك الوقت ولم يلتفت احد منهم الى الأسباب
التي جعلت من معلم القران الكريم للصبية قائد عسكري لا يشق له غبار وهذه حقيقة وبتعدوا
ان كل الأفعال الجليلة ومنها تنقيط القران وبناء مدينة واسط والقضاء على الفتن وقد
كان رجل يمتاز بالبلاغة والكلام بشكل مميز ملفت للنظر واما عن اسرافه في القتل فلم
يكن ليفعل هذا الا بسبب ان الامر اقتضى هذا فالحرب اما قاتل او مقتول وقد كان لابد
من هذا فالدولة لا تبنى على بالدم منذ بدأ الخليقة وهذا ليس دفاع عن الرجل ولكن ما
كان عليه الإسلام لا يتطلب شخصيات ضعيفة والحق يقال ولا أخاف فيها الا الله ان
افعاله كانت ولازالت ننعم بخيراتها ولولا ما فعل ما كان قد وصل الإسلام الينا اليوم
وهذه حقيقة وقد حدث في شخصية الحجاج هوس الصراع على السلطة وقد كانت هناك خلافات
سياسي لا مذهبي وقد ساهمت في إمكانية الدس والطعن في شخصية هذا الرجل وفي نهاية ما
بدأت احب التنويه الى حادثة سرقة من شخصية الحجاج في وضح النهار وهي قضية
وامعتصماه وفي حقيقة الامر كانت و حجاجاه القصة
عود الى سنة 88 هـ حدث أن سفينة عربية كانت قادمة من جزيرة الياقوت (بلاد سيلان)
عليها نساء مسلمات، وبينما كانت السفينة في طريقها إلى البصرة مارة بميناء الديبل
ببلاد السند، خرج قراصنة من السند واستولوا عليها
فنادت امرأة منهن بإستغاثه وكانت تميمية من بني يربوع :
ياحجاج واحجاجاه وطار الخبر الى الحجاج بإستغاثها
فأجابها : يا لبيك وعندئذ كتب الحجاج إلى ملك السند يطلب منه الإفراج عن النساء
المسلمات والسفينة، ولكنه اعتذر عن ذلك بحجة أن الذين خطفوا السفينة لصوص لا يقدر
عليهم.
وهنا نفهم مدى الزيف والتظليل التي نالت من شخصيات عبر
التاريخ فمن غير المعقول ان يكون هناك نظام حديث يشيد بالنظام السابق حتى ولو كان
له محاسن وهذا ما فعلوا العباسيون ويعتبر ما كتب في تلك الفترة هو عملية طمس
المعالم والاعمال التي سبقتهم وهذا لا يشمل الدولة الاموية فحسب ولكن قد شمل كل
شيء سبقهم واغلب ما نرى ونسمع من فتن كان بسبب تلك الكتابات في العصر العباسي وما
قام به الحجاج هو ثورة ضد الفوضى في ذلك الوقت وتتلخص بمقولته المشهورة (إنّ
للسّلطان سيفًا وإنّ للشّيطان طيفًا) وفي نهاية ما بدأت احب ان استشهد بقول الله
تعالى ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ
وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) صدق الله العظيم
والله من وراء القصد